الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

519

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وداك قال : لمّا كره القوم المسير إلى الشّام بعد النهروان أقبل عليه السّلام بهم فأنزلهم النّخيلة وأمر الناس أن يلزموا معسكرهم ، ويوطّنوا على الجهاد أنفسهم ، وأن يقلّوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسير بهم إلى عدوهم - وكان ذلك هو الرأي لو فعلوه - وأقبلوا يتسللون ويدخلون الكوفة فتركوه عليه السّلام وما معه من الناس إلّا رجالا من وجوههم قليل ، وبقي المعسكر خاليا فلا من دخل الكوفة خرج إليه ولا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس - وهي أوّل خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج - فقال : أيّها النّاس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى اللّه عزّ وجلّ ودرك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه ، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، ويتسكّعون في غمرة الضلال ، فأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ( 1 ) وتوكلوا عَلَى اللّهِ وَكَفى باِللهِّ وَكِيلًا ( 2 ) . فلم ينفروا فتركهم أيّاما ثم خطبهم فقال : « أف لكم لقد سئمت عتابكم أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ ( 3 ) عوضا » إلى آخر الفصل ، وزاد : أنتم اسود الشرى في الدّعة ، وثعالب رواغة حين البأس . إنّ أخا الحرب اليقظان ، ألا إنّ المغلوب مقهور ومسلوب . قال : وروى الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت عليّا عليه السّلام على منبر الكوفة وهو يقول : يا أبناء المهاجرين ، انفروا إلى أئمة الكفر وبقية الأحزاب وأولياء الشيطان ، انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا ، فو اللّه الذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنهّ ليحمل خطاياهم إلى يوم

--> ( 1 ) الأنفال : 60 . ( 2 ) النساء : 81 . ( 3 ) التوبة : 38 .